تاريخ القهوة وكيف انتشرت من اليمن

  • نشر بتاريخ:24-10-2020
  • قراءات: 991

حصيلة سنوات من دراسة تاريخ القهوة جمعتها في هذه التدوينة البسيطة المجمّعة من تدوينات سابقة أبسط.

يبتدئ تاريخنا مع القهوة مع حبوب البن، التي كان يستلذّ الناس بها مضغاً أو تخزيناً دون صناعة مشروبها. في الواقع من غير المعلوم إذا شربت العرب مشروب القهوة في التاريخ الماضي أو لا، بسبب عدم وجود دراسات كافية حتّى اليوم تبيّن ماضي أساليب استهلاك البن بين العرب. لكن من المثبت تاريخياً معرفة العرب بحبوب البن وتجارتها منذ ٦٠٠٠ سنة على الأقل.

آثارياً، عُثر في منطقة أمّ النار الأثرية في حدود دولة الإمارات العربية المتحدة، على أواني فخّارية مغلقة وفي داخلها حبوب بنّ سليمة دون تحميص، تعود إلى الألف الرابع قبل الميلاد، وهي أقدم أثر مكتشف حول العالم لحبوب البن المعدّة للاستهلاك البشري. بينما من الثابت في زمننا أنّ مشروب القهوة حُضّر وشُرب للمرّة الأولى في اليمن، دون الإمكانية لتحديد عمر واضح لوصفة القهوة.

عموماً أقدم وصفة معروفة للقهوة في عالم اليوم هي وصفة قهوة الموكا، المعروفة عالمياً باسم الموكاتشينو، قهوة مدينة المخاء الساحلية جنوب اليمن، حيث طُبخت حبوب البن لأوّل مرّة بعد تحميصها وطحنها، فعرفنا القهوة التي نشربها اليوم. وأقدم ذكر لمشروب القهوة في التراث العربي يعود إلى فتاوى حجازية من مكّة تحرّم مشروب القهوة وشربها خلال القرن الخامس عشر، لأنّ أهل اليمن، أهلها، أسموها قهوة، وكانت القهوة من أسماء الخمر.
كلمة “قهوة” كانت من أسماء الخمر وبالأخص النبيذ، لأنّه يقهي شاربه عن الطعام، أي يُشبعه أو يذهب بشهوته، يقول لسان العرب: “والقَهْوة: الخمر، سمّيت بذلك لأنها تُقْهِي شاربها عن الطعام أَي تذهب بشهوته، وفي التهذيب أَي تُشبِعه؛ يذكر نساءً: فأَصبَحْنَ قد أَقْهَين عنّي، كما أَبَتْ حِياضَ الإِمدَّانِ الهِجانُ القَوامِحُ”. هكذا نال منقوع البن اسم القهوة كناية بأفعال الخمرة.

أمّا اسم القهوة عالميّاً (كافيه) أو (كوفي) أو (كفيه) فهو تحوير عن اللّفظ العثماني للقهوة “كهڤه”، بسبب الواو الفارسية التي تحوّلت في اللّغات الأوروپية فاء.
تُزرع شجرة البنّ العربيّة اليوم في اليمن في محافظات تعز وإب والضالع ولحج وأبين وصنعاء والمحويت وحجة وصعدة والحديدة وعمران وريمه وذمار وكذلك في جنوب غرب العربية السعودية في الطائف والباحة وعسير وجيزان ونجران.

حتّى عام ١٦٦١ كانت زراعة البنّ حكراً على اليمن، وكانت العثمانية والحكومة الملكيّة المحلية في اليمن كليهما تمنعان على التجّار بيع نبات القهوة أو حبّات البنّ دون سلقها كي لا تتسرّب زراعتها خارج اليمن. لكن في ذلك العام تمكّن تاجر هولندي من سرقة بذور بنّ طازجة على أنّها حبوب مسلوقة، وبعد ٤٠ عام انتشرت زراعة البنّ في أماكن عديدة حول العالم.

مع ذلك تبق للبنّ اليمنيّ امتيازاته التي لا تنافسها أنواع البنّ في العالم، فزراعته لم تزل تعتمد على المدرّجات الزراعية الجبلية والريّ البعلي، ولم تزل الشمس تُستخدم لتجفيف حبوبة طبيعيّاً دون خلطها بأيّ موادّ كيماويّة. ولو أنّي قادر لامتنعت عن شراء غير البنّ اليمنيّ، دعماً لتراث لا يبزّه منافس شريف. وعلى سيرة المنافس الشريف، لم تتمكّن بريطانيا من احتكار تجارة البنّ في العالم إلّا بقصف وتدمير مدينة المخاء وميناءها ما بين عاميّ ١٩١١ و١٩١٥ لنقل تجارة البنّ إلى شركاتها في البرازيل والمكسيك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تاريخ قهوة الموكا

تنتشر اليوم في مقاهي العالم أشهر وصفات القهوة وأكثر أنواع مشروبها تداولاً على الإطلاق، قهوة الموكاتشينو أو الموكا، سأسرد تاريخ هذه القهوة ثم تاريخ المقاهي حول العالم.

قهوة الموكاتشينو mocaccino التي تُكتب أيضاً mochaccino والّتي يُظنّ من اسمها الإيطالي أنّها وصفة إيطالية المصدر، تسمّى باللغتين الإنگليزية والفرنسية caffè mocha وتحتوي بشكل أساسي على مغلي بذور البن المطحونة مع الحليب والكاكاو.

في الحقيقة هذه القهوة ليست إيطالية، واسمها أساساً قهوة الموكا، تسمية لم تزل متداولة في تركيا وشمال وشرق أوروبا وهولندا، وتعود هذه التسمية إلى ميناء المُخاء غرب اليمن، ميناء موكا باللّفظ الأوروبي، أشهر موانئ العالم ولقرون قبل بزوغ دبي.

اسمها الحقيقي قهوة المُخا وهي القهوة العربيّة الأصليّة، وكانت تُحضّر على طريقة يمنيّة تختلف قليلاً عن وصفة اليوم، دون حليب، بغلي بذور البن بعد تحميصها ودقّها ومن ثم إضافة مسحوق الكاكاو وعُوداً من القرفة إلى مائها. أضاف البولند الحليب إلى الموكا في ڤيينا، ثمّ جعلها الأوروبيّون قهوة إيطالية، حيث تقوم أغلب المقاهي حول عالم اليوم بطهي الموكا من ثلاثة مكوّنات، هي الشوكولا مع الاسپرسّو والحليب.

تختلف قهوة المخا العربيّة عن القهوة دمشق العربيّة بعنصر التنكيه، فبينما تعتمد قهوة المخا على القرفة تعتمد القهوة الشامية على الهيل، وبينما تعتمد القهوة اليمنيّة على الكاكاو لإثرائها، تعتمد القهوة الشامية على زيادة كمية البن واختلاف طريقة التحميص.

ولمّا شاعت قهوة المخا أوّلاً ونالت اسم القهوة العربيّة في مجتمعات الشرق الأوسط منذ القرن السابع عشر، نالت القهوة الشاميّة لقب التركيّة بين العرب تمييزاً منذ القرن الثامن عشر، رغم عدم وجود شعبيّة لها في مدن الأناضول، لكنّ توفّر حبوب الهيل بكثرة في دمشق بسبب الجالية الهنديّة وتخصّصها في استيراد التوابل، دفع الدمشقيّين لإضافة الهيل كتابل رئيسي في كثير من المأكولات والمشروبات الدمشقيّة.

كانت المخاء بلدة صغيرة وغير ذات شهرة نتيجة النزاعات حولها خلال القرن الخامس عشر، إلى أن سيطر العثمانيّون على اليمن سنة ١٥٣٨، إذ ذاك صدر قانون عثماني من صنعاء يُجبر جميع السفن العابرة بالرسو في ميناء المخاء وسداد ضريبة عن حمولاتها قبل إكمال الطريق نحو موانئ البحر الأحمر، أو خروجاً منه، وكان البحر الأحمر قد صار بحيرة عثمانيّة. جعل هذا القانون العثماني من المخاء أحد أهم موانئ العالم، الأثرى والأشهر على الإطلاق ما بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر، فصار بوّابة تجارة الحجاز وشرق إفريقيا وبالتالي البوّابة البحريّة لتجارة غزّة مع الهند.

كان القرن السابع عشر هو القرن الذهبي في حياة المخاء الحديثة حين اشترى هولنديّون أوّل صفقة للبن عام ١٦٢٨ لبيعه غرب الهند، ثم بدأ بيع البن اليمني في هولندا سنة ١٦٦١ ما جعل ميناء المخا المصدر الرئيسي للبن في العالم قبل تدميره قصفاً من قبل الپرتغاليين. أخيراً دمّر الإيطاليون والإنكليز مدينة المخا ما بين عامي ١٩١١ و١٩١٥ لنقل تجارة البن إلى البرازيل والمكسيك، ونقل الإنكليز تجارة اليمن الهنديّة إلى ميناء عدن.

مخاء ميناء حِميري كان اسمه مَخَنُ وذُكر باسم نخوان، ووصل المدينة الإسلام واسمها مَخا في القرن السابع ميلادي. اشتهرت بتصدير الصبر والبخور والأراك والزبيب، ثم صارت أهم مورّد للبن مع ازدهار مشروب القهوة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تاريخ المقاهي

اعتُبرت مجالس القهوة في مدينة مكّة المملوكيّة مكاناً للاجتماعات السياسيّة، لمن طردهم الأئمة من مجالس المساجد وحرّموا مشروبهم على المسلمين ما بين ١٥١٢ و١٥٢٤، كون القهوة صارت رمزاً ومشروب المعارضة السياسية لحكم المماليك في الحجاز. في عام ١٥٣٠ فتح أوّل مقهى في العالم أبوابه في مدينة دمشق باسم حانة قهوة (قهوة خانه)، ولم تنتظر القاهرة طويلاً حتى رتّبت طاولات المقهى الأوّل فيها، وكانت كليهما قد صارت عثمانيّة.

كتب المؤرّخ العثماني إبراهيم پچوي İbrahim Peçevi في تدويناته (١٦٤٢-١٦٤٩) عن افتتاح أوّل مقهى في استانبول فقال: “حتّى عام ١٥٥٥، في المدينة الممجّدة المحروسة من الله القسطنطينيّة، كما على جميع الأراضي العثمانيّة عموماً، القهوة والمقاهي لم توجد. لكن في ذلك العام رجل من حلب اسمه حكم، وحكواتي من دمشق اسمه شمس، أتو إلى المدينة وكلّ واحد منهم فتح متجراً كبيراً في محلّة تختكلى Tahtakale، وبدؤوا ببيع القهوة.”

في القرن السابع عشر، رحّالة فرنسي اسمه جون شاردَان Jean Chardin كتب وصفاً حيّاً لمشهد مقهى عثماني: “يختلط الناس في نقاشات، لذا يتم تبادل الأخبار وانتشارها ما بين أولائك المهتمين بالسياسة ممّن ينتقدون الحكومة بكل حريّة ومن دون خوف، حيث أنّ الحكومة لا تهتم لما يقوله الناس. يلتهي الناس بألعاب بريئة كالداما، الحجلة، والشطرنج. بالإضافة إلى الملالي والدروايش والشعراء، كلّ يأخذ دوره لحكاية القصص منثورة أو مقفّاة. روايات الملالي والدراويش دروس في الأخلاق، كالخطب عندنا، ولكن لا يعتبر الناس أنّ تجاهلها عيب فاضح. لا أحد مُجبر على إيقاف لعبة يلعبها أو نقاش يخوض فيه بسبب خطيب ديني. حيث يقف الملّا في الوسط أو في زاوية من زوايا (قهوة خانه) ويبدأ بالوعظ بصوت عال، بينما يدخل الدوريش بشكل مفاجئ ويؤدّب المجتمعين تنبيها من الغرور في الدنيا وبضاعتها الماديّة. ويحدث كثيراً أن يتكلّم شخصان أو ثلاثة في الوقت عينه، متقابلين بشكل متعاكس، بينما في الغالب يكون أحد المجتمعين واعظاً البقية كحكواتي.”

أول مقهى في أوروبا خارج الأراضي العثمانية ظهر في القرن السابع عشر، وحيث وُجدت المقاهي كانت تزداد شعبيّتها بسرعة. أول مقهى في أوروبا الغربية كان في البندقية Venice عام ١٦٢٩، بسبب نشاط التجارة والشحن بين مينائي غزّة ولاسيرينيسّيما La Serenissima البندقي، بينما أقدم المقاهي المسجلة في البندقية كانت عام ١٦٤٥.

أوّل مقهى في إنگلترا افتتح في أكسفورد Oxford عام ١٦٥٢ من قبل دمشقي يهودي اسمه يعقوب في شارع إيٓنجل عند أبرشية سانت پيتر St Peter شرق المدينة. والمقهى لم يزل موجوداً إلى اليوم باسم گراند كافيه The Grand Cafe. مقهى حارة کوینز Queen’s Lane في أكسفورد تأسّس عام ١٦٤٥ لم يزل موجوداً إلى اليوم أيضاً. أول مقهى في لندن فتح أبوابه عام ١٦٥٢ في شارع سانت ميشيل المشجر في كارنهيل St Michael’s Alley, Cornhill. كان المالك پاسكوا غوزيه Pasqua Rosée خادماً لتاجر سلع عثمانية يدعى دنيال إدواردز Daniel Edwards، الذي استورد القهوة وساعد غوزيه على تأسيس المقهى في شارع سانت ميشيل.

من عام ١٦٧٠ حتى ١٦٨٥، بدأ عدد المقاهي في لندن بالتضاعف، وفي ذات الوقت أخذت المقاهي تكسب أهميّة سياسيّة في المجتمع الإنكليزي بسبب شعبيتها كأماكن للمراهنات. مع ١٦٧٥ كان قد انتشر أكثر من ٣٠٠٠ مقهى في إنكلترا. باسكوا غوزيه سابق الذكر أسّس أيضاً أول مقهى في باريس عام ١٦٧٢ واحتكر بيع القهوة في عموم المدينة إلى أن فتح بغوكوپيو كيتو Procopio Cutò مقهى پغوكوپى Café Procope عام ١٦٨٦. ولم يزل هذا المقهى موجوداً إلى اليوم حيث كان المكان الأهم لاجتماعات التنوير، ڤولتير، روسّو، ودنيس دودرو تردّدوا عليه باستمرار، ويمكن القول أنّه مسقط رأس أونسيكلوپيدي Encyclopédie، أوّل الموسوعات الحديثة.

عام ١٦٦٧ قارا خاميّه Kara Hamie ضابط الانكشاريّة السابق من القسطنطينيّة (إستانبول)، فتح أوّل مقهى في وسط مدينة بُخارست (عاصمة إمارة لشا في ذلك الوقت)، حيث ينتصب اليوم المبنى الرئيسي للمصرف الوطني الروماني. أما أميركا فحظيت بأوّل مقهى على أراضيها في بوسطن عام ١٦٧٦.
أوّل كفيتيٓريا (مقهى) في ڤيينّا تأسّس عام ١٦٨٣ من قبل مقيم پولندي، جرجي فرانشيجاك كُلجتسكي Jerzy Franciszek Kulczycki، وهو بالمناسبة أوّل من قدّم القهوة مع الحليب في العالم. أحد شوارع ڤيينا اليوم تسمى باسمه كُلجتسكي. بأيّ حال انتشرت القهوة وثقافة شربها في جميع أرجاء العالم مع النصف الثاني من القرن الثامن عشر. أوّل مقهى مسجّل في ڤيينا تأسّس عام ١٦٨٥من قبل تاجر أرمني اسمه يوهانز ثيودات Johannes Theodat (المعروف أيضاً باسم يوهانس ديوداتو). وبعد خمسة عشر سنة أربع أرمن آخرين امتلكوا مقاهي وحظيوا على امتياز تقديم القهوة في المدينة.

في ألمانيا، تأسّست المقاهي بداية في الموانئ الشمالية، من بينها بريمن ١٦٧٣ وهامبورگ ١٦٧٧. في البداية اعتمد الألمان التسمية الإنكليزية للقهوة كوفي Coffee، ولكن خلال القرن الثامن عشر تبنّى الألمان التسمية الفرنسيّة كَفيه café وصارت الكلمة المانيّة، الّتي تحوّلت بدورها ببطئ لتصبح كافّي Kaffee، التي نعرفها اليوم. في القرن الثامن عشر انتشرت شعبية القهوة في عموم الأراضي الالمانية، وبدأت ترتقي إلى عادات الطبقات الحاكمة. قُدّمت القهوة في محكمة الناخب الأعظم في براندنبورگ فردريك ڤيليام Frederick William في بداية ١٦٧٥، ولكن أوّل مقهى عام في برلين افتتح عام ١٧٢١.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
------------------